أبو نصر الفارابي
106
كتاب السياسة المدنية
فبعضهم يطلب اليسار لهذا ويرى أن نفقاته هذه هي الكرم والحرية ، ويأخذ ذلك المال من المدينة إما على سبيل الخراج وإما أن يغلب قوما آخرين سوى أهل المدينة على أموالهم ، فيأتي بها إلى بيت ماله فيجعلها عدة ينفق منها النفقات العظيمة في المدينة لينال بها الكرامة أكثر . ولا يمتنع متى كان محبا للكرامة بأي شيء ما اتفق أن يجعل لنفسه حسبا ولولده من بعده وليبقى له ذكر من بعده بولده ، فيجعل الملك في ولده أو في جنسه ، ثم لا يمتنع أن يجعل لنفسه يسارا يكرّم عليه وإن لم ينفع به غيره ، ثم يكرم أيضا قوما ليكرمه أولئك أيضا . فيجمع جميع الأشياء التي يمكن أن يكرمه الناس عليها ثم يختص هو بأشياء دون غيره ممّا له بهاء وزينة وفخامة وجلالة عندهم من بناء وملبس وشارة ثم احتجاب عن الناس . ثم يسن سنن الكرامات . وإذا جرت له رئاسة ما وتعوّد الناس أن يكون هو وجنسه ملكهم رتب الناس حينئذ على مراتب يحصل له من ترتيبه لهم بتلك الكرامة والجلالة . وسن لكل مرتبة نوعا من الكرامة وفيما يستأهل به الكرامة من يسار أو بناء أو لباس أو شارة أو مركب ، أو غير ذلك مما يجلّ به أمره ، ويجعل ذلك على ترتيب . ومن بعد ذلك يكون آثر الناس عنده من أكرمه أكثر أو من أعانه على جلالته تلك معونة أكثر . فهو يكرّم ويعطي للكرامة على قدر ذلك . فالمحبون للكرامة من أهل مدينته يعاملونه ليزداد به كراماتهم التي يبذلها لهم ، فيكرمهم من دونهم ومن فوقهم من أهل المراتب لذلك .